إرجاع كتب بعد مئة وخمسين عامًا يوقع غرامة مالية ضخمة في فيتنام
في واقعة أثارت جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الثقافية، أُجبر شخص في فيتنام على دفع غرامة مالية ضخمة تصل إلى ثمانية وعشرين ألف دولار أمريكي، وذلك بعد أن أعاد مجموعة من الكتب المستعارة إلى مكتبة عامة بعد مرور أكثر من مئة وخمسين عامًا على موعد استحقاق الإرجاع. وأصبحت هذه القصة هذا الأسبوع ضمن أبرز الموضوعات الرائجة في الأخبار الثقافية، نظرًا لطرافتها وقيمتها المالية غير المسبوقة.
تفاصيل الواقعة التي هزت الأوساط الثقافية
بدأت القصة حين عثر موظفو إحدى المكتبات العامة في مدينة هو تشي منه (Ho Chi Minh City) الفيتنامية على طرد بريدي قديم يحتوي على مجموعة من الكتب التي يعود تاريخ استعارتها إلى عام ألف وثمانمئة وستة وسبعين، أي منذ نحو مئة وخمسين عامًا. وقد أظهرت سجلات المكتبة أن هذه الكتب كان قد استعرها أحد الأشخاص في تلك الحقبة الزمنية البعيدة، ولم يُعَدّ أيٌّ منها طوال كل هذه العقود.
ووفقًا لما نقلته مصادر إعلامية فيتنامية، فإن قيمة الغرامة المفروضة على المستعير الأصلي أو ورثته جاءت بناءً على لوائح المكتبات الفيتنامية التي تُجيز فرض عقوبات صارمة على تأخير إرجاع الكتب لفترات طويلة، تشمل احتساب غرامات يومية متراكمة تتضاعف مع مرور الزمن لتصل إلى مبالغ طائلة. وأكّد المسؤولون أن المكتبة لم تتنازل عن حقها القانوني، في رسالة ضمنية بأن الذاكرة الثقافية لا تسقط بالتقادم.
لماذا فرضت غرامة بهذا الحجم على تأخير الإرجاع؟
تعتمد كثير من المكتبات العامة حول العالم نظامًا بسيطًا في ظاهره لكنه صارم في تطبيقه، يقوم على احتساب غرامة يومية عن كل يوم تأخير، وغالبًا ما تتراوح هذه الغرامة بين سنتات ودولار واحد في اليوم. غير أن تطبيق هذا النظام على فترة تجاوزت مئة وخمسين عامًا يُنتج رقمًا ضخمًا، حتى وإن كان التطبيق الأولي للقانون لم يُوضع لهذا الحجم من التأخير. وتُظهر الواقعة ثلاثة دلالات واضحة:
- حماية التراث المعرفي: تهدف الغرامات إلى ردع الإهمال في التعامل مع الكتب والمخطوطات النادرة.
- الاحترام المتبادل: تُعدّ الكتب المستعارة أمانة مؤقتة يجب ردّها في وقتها، والإخلال بذلك يستوجب التعويض.
- تطبيق القانون بصرامة: في هذه الحالة طبّقت المكتبة لوائحها دون استثناء، لتؤكد أن الذاكرة القانونية لا تسقط بمرور الزمن.
أبعاد ثقافية ورمزية للواقعة
تتعدى هذه الحادثة كونها خبرًا طريفًا، إذ تعكس تحوّلًا في وعي المجتمعات بأهمية المكتبات العامة ودورها في صون المعرفة. ففي زمن تتسارع فيه الرقمنة وتتنافس فيه المنصات الرقمية على جذب القراء، تذكّرنا واقعة هو تشي منه بأن الكتاب المطبوع ما زال يحتفظ بقيمة قانونية وثقافية عالية. كما أن ردّ الكتب بعد هذه المدة الطويلة يشير إلى أن ورثة المستعير الأصلي أدركوا أهمية إعادة الحقوق الثقافية لأصحابها، وهو سلوك يُجسّد ضميرًا مجتمعيًا حيًا.
ماذا يمكن أن نتعلم من هذه الواقعة؟
تترك هذه القصة ثلاث رسائل عملية لكل قارئ يستخدم المكتبات العامة:
- تحقق دائمًا من تواريخ استحقاق الإرجاع، واحتفظ بإيصالات الاستعارة في مكان واضح.
- في حال وجود كتب قديمة مملوكة للعائلة تعود إلى حقب سابقة، تواصل مع المكتبة المعنية لإعادة أي مواد مستعارة قبل أن تتراكم الغرامات.
- اعتبر الكتاب المستعار أمانة مؤقتة، واحرص على إرجاعه في الوقت المحدد حفاظًا على حق الآخرين في الاستفادة منه.
تُعدّ هذه الحادثة تذكيرًا مهمًا بدور المكتبات العامة في الحفاظ على التراث الثقافي والمعرفي، والحاجة إلى احترام قواعد الاستعارة والإرجاع في الوقت المحدد. وتهدف الغرامات المالية التي تفرضها المكتبات حول العالم إلى ضمان استمرارية دورتها في خدمة المجتمع، وتؤكد هذه الواقعة أن احترام قواعد الاستعارة ليس مجرد التزام قانوني، بل هو سلوك حضاري يعكس تقدير المجتمع للمعرفة.